مقالات

السيادة المالية المأزومة.. مخاوف أوروبا من سلاح المدفوعات الأمريكي ومصير روسيا

تجسد الهيمنة المطلقة لشركتي “فيزا” و”ماستر كارد” الأمريكيتين على البنية التحتية للمدفوعات في القارة الأوروبية معضلة استراتيجية بالغة التعقيد، تثير قلقاً متزايداً في أروقة صنع القرار السياسي والمالي. وقد تجلى هذا القلق بوضوح في التحذيرات الصارمة التي أطلقتها رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي في 21 كانون الثاني 2026، حيث انتقدت بشدة إغفال المفوضية الأوروبية للثغرات الهيكلية القاتلة في أنظمة الدفع الحالية.

وتكمن الخطورة في أن القارة العجوز باتت تعتمد بالكامل تقريباً على شبكات خاضعة للسيادة الأمريكية، مما يعني أن واشنطن قادرة نظرياً على عزل أوروبا مالياً وشل اقتصادها ونظامها الديمقراطي في لحظة خلاف واحدة، مما يفرض ضرورة عاجلة لتأسيس مشروع دفع أوروبي موحد ومستقل على غرار تجربة شركة الطائرات “إيرباس”.

وتعود جذور هذه التبعية المالية إلى عقود مضت، عندما دخلت الشركتان الأمريكيتان السوق السوفيتية لأول مرة عام 1988، لتشهد مدينة موسكو في 21 أيلول 1991 أول معاملة تجارية بالبطاقات البلاستيكية متاحة لعموم المواطنين. ولم يكن سماح الإدارة الأمريكية لشركاتها بالعمل لدى خصمها اللدود في أواخر الحرب الباردة عفوياً، بل جاء ضمن رؤية استراتيجية واعية أكدتها دراسات معهد بروكينغز الصادرة في شباط 2024؛ حيث تعمدت واشنطن دمج الدول الكبرى في نظام المدفوعات العالمي الذي تهيمن عليه، وذلك لخلق نقاط اختناق تمنح الولايات المتحدة نفوذاً جيوسياسياً هائلاً، ويمكّنها لاحقاً من استخدام هذا الاندماج كأداة للابتزاز والضغط وفرض العقوبات الصارمة عند حدوث أي صدام سياسي.

هذا السلاح المالي الصامت تم تفعيله بشكل غير مسبوق في 5 آذار 2022، عقب مكالمة مرئية طالب فيها الجانب الأوكراني أعضاء الكونغرس الأمريكي بوقف الشبكات المالية في روسيا. وفي غضون دقائق معدودة، أعلنت الشركتان تعليق خدماتهما بالكامل، مما أدى إلى إلغاء فاعلية نحو 300 مليون بطاقة بنكية كانت تسيطر الشركتان على أكثر من 70 بالمئة منها (بواقع 38 بالمئة لماستر كارد و35 بالمئة لفيزا).

هذا القرار المفاجئ تسبب في عزل آلاف السياح والطلاب الروس في الخارج وشل قدرتهم على السحب أو الدفع، إلا أن الداخل الروسي نجا من الانهيار التام بفضل خطوة استباقية اتخذتها موسكو عام 2014 إثر أزمة شبه جزيرة القرم، حيث أنشأت “النظام الوطني لبطاقات الدفع” (NSPK) وأجبرت الشركات الأجنبية على معالجة العمليات المحلية داخل الخوادم الروسية، مما حمى الاقتصاد الداخلي عند الانسحاب الكبير عام 2022.

أرسل المشهد الروسي رسائل رعب بالغة الأثر إلى حلفاء واشنطن قبل خصومها، لاسيما وأن البيانات الرسمية للبنك المركزي الأوروبي أظهرت أن 13 دولة من أصل 19 دولة في منطقة اليورو كانت تعتمد بالكامل على الشبكات الأمريكية دون امتلاك أي بدائل وطنية لإدارة أسواقها المحلية. ويتعاظم هذا الخطر بالنظر إلى الاحتكار الثنائي العالمي للشركتين خارج الصين؛ حيث أدارت “فيزا” عام 2025 وحده نحو 5 مليارات بطاقة بقيمة معاملات بلغت 17 تريليون دولار، في حين أدارت “ماستر كارد” 3.7 مليار بطاقة بقيمة 10.6 تريليون دولار. هذا الاحتكار المطلق دفع كبار الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي للتحذير من أن أوروبا باتت مكشوفة تماماً أمام التهديدات والإكراه الاقتصادي الأمريكي، خاصة مع صعود أجندات سياسية في واشنطن تركز بشكل متطرف على السيادة الوطنية والحماية التجارية.

واستجابة لهذه التهديدات، أعد البرلمان الأوروبي في تشرين الثاني 2025 دراسة استراتيجية معمقة حول السيادة المالية في عصر تراجع العولمة، خلصت إلى أن القوانين والآليات التنفيذية الأمريكية تتيح قطع هذه الشبكات بقرارات سياسية أو نتيجة امتثال استباقي من الشركات ذاتها. وطرحت الدراسة مشروع “اليورو الرقمي” كحل جذري طويل الأمد لإعادة صياغة السيادة النقدية والتكنولوجية؛ وهو عبارة عن نسخة إلكترونية رسمية من العملة الموحدة يصدرها البنك المركزي الأوروبي ليتيح الدفع المباشر عبر محافظ رقمية دون الحاجة للوسيط الأمريكي.

وتسعى أوروبا جاهدة لتسريع هذا المشروع؛ ففي 14 تموز 2026 تم اختيار 36 مؤسسة مالية كبرى، من بينها “دويتشه بنك” الألماني، للانضمام إلى برنامج تجريبي شامل ينطلق في النصف الثاني من عام 2027، تمهيداً لإطلاق اليورو الرقمي فعلياً بحلول عام 2029 ليكون بمثابة إعلان رسمي لاستقلال أوروبا المالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى