اقتصاد

كيف تلتهم منصات المراهنة الحديثة أموال الحالمين بالثراء؟

قبل ساعات قليلة من قيام الأمريكيين باختطاف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في الثالث من يناير عام 2026، قام أحد المستخدمين على منصة المراهنات الشهيرة “بولي ماركت” بمضاعفة حجم رهاناته على أن مادورو سيتم إزاحته أو سيغادر السلطة قبل يوم الحادي والثلاثين من يناير، وحدث ذلك في وقت لم يكن فيه أحد تقريباً يتوقع حدوث هذا الأمر.

واللافت للنظر هو أن هذا المستخدم كان جديداً تماماً على المنصة، إذ أنشأ حساباً عليها لأول مرة قبل اختطاف مادورو بأيام معدودة، وتحديداً في السادس والعشرين من ديسمبر؛ ثم بدأ على مدار الأيام اللاحقة يراهن بأمواله على ثلاثة عشر رهاناً تتعلق جميعها بمادورو، وكان آخرها مساء يوم الثاني من يناير عام 2026، أي قبل ساعات قليلة من اختطاف الأمريكيين للرئيس الفنزويلي وزوجته في فجر اليوم التالي.

وفي هذا الرهان الأخير، راهن المستخدم بأكثر من عشرين ألف دولار على أن مادورو سوف يسقط، وبالفعل اختُطف مادورو فجر الثالث من يناير، وفي صباح اليوم نفسه بدأ هذا المستخدم يجني أرباح رهانه الذي اتضح أنه صحيح، حيث اقتربت قيمة أرباحه من أربعمئة وعشرة آلاف دولار.

كان سلوك هذا المستخدم مثيراً جداً للشك والريبة، ومما لفت انتباه صحف أمريكية شهيرة مثل “وول ستريت جورنال” التي نشرت في الخامس من يناير قصة صحفية عن متداول غامض يكسب أكثر من أربعمئة ألف دولار من خلال الرهان على سقوط مادورو، والذي كان نتيجة عملية سرية للغاية نفذها الجيش الأمريكي.

ومن هنا بدأت الأسئلة تتكاثر: من هو هذا المستخدم؟ وهل هو مجرد شخص محظوظ أم أنه كان يمتلك معلومة داخلية حول خطط الولايات المتحدة ضد مادورو واستغلها لتحقيق أرباح غير قانونية؟ وظلت الإجابات عن هذه الأسئلة لغزاً غامضاً حتى الثالث والعشرين من أبريل الماضي، عندما كشفت وزارة العدل الأمريكية أن هذا المستخدم الغامض هو ضابط في القوات الخاصة الأمريكية يُدعى جانون كين فان دايك، وكان لديه علم مسبق بخطة الجيش الأمريكي للهجوم على فنزويلا واختطاف مادورو، وذلك ببساطة لأنه كان مشاركاً في تخطيط وتنفيذ عملية الاختطاف نفسها.

إن هذه الحادثة ألقت الضوء بشكل مباشر على مخاطر منصات المراهنات التي ظهرت حديثاً في السوق الأمريكية مثل “بولي ماركت” وغيرها، والتي بدأت تنتشر باكتساح وتنتقل من السوق الأمريكية إلى أسواق كثيرة حول العالم.

وتختلف هذه المنصات عن منصات المراهنة العادية، وتكمن خطورتها في أنها تحول تقريباً أي شيء إلى مادة قابلة للمراهنة، وهو ما يغري فئات كثيرة وخاصة الشباب الذين يحلمون بالثراء السريع. والسؤال هنا: ما هي قصة هذه المنصات؟ وكيف تعمل؟ وكيف يُحسب المكسب والخسارة فيها؟ والسؤال الأهم: ما هو السر وراء خسارة الأغلبية الكاسحة من مستخدمي هذه المنصات لأموالهم؟

في الأيام السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة التي عُقدت في نوفمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين، كانت معظم استطلاعات الرأي تشير إلى أن حظوظ مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب متقاربة جداً وتكاد تكون متساوية مع حظوظ منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، وأنه لا توجد ميزة كبيرة لطرف على الآخر من وجهة نظرهم، حيث كان احتمال فوز أي مرشح منهما يعادل خمسين بالمئة. ولكن الصورة كانت مختلفة تماماً في أسواق التنبؤ أو ما يُعرف بـ “البريديكشن ماركتس”؛ ففي اليوم السابق لفتح صناديق الاقتراع أمام الأمريكيين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التي تحدد هوية الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، كانت رهانات المستخدمين على منصة “بولي ماركت” تشير إلى أن احتمال فوز ترامب بهذه الانتخابات يصل إلى ثمانية وخمسين بالمئة في حين أن فرصة هاريس لا تتجاوز اثنين وأربعين بالمئة.

وفي الوقت نفسه، كانت محصلة رهانات المستخدمين على منصة تنبؤات شهيرة أخرى تُدعى “كالشي” تمنح الأفضلية لترامب باحتمالية فوز تُقدر بخمسة وخمسين بالمئة مقابل خمسة وأربعين بالمئة لهاريس. وهذه النسب لم تكن تعبر عن آراء أو توقعات مجردة، بل كانت توقعات يؤمن بها أصحابها لدرجة أنهم راهنوا بأموالهم الحقيقية عليها.

وعندما أُغلقت صناديق الاقتراع وبدأت عملية الفرز، أثبتت منصات التنبؤات هذه تفوقها مرة أخرى على استطلاعات الرأي وعلى وسائل الإعلام الأمريكية؛ فبعد إغلاق الصناديق بساعات، وتحديداً قرب منتصف الليل، توقع المستخدمون على منصة “بولي ماركت” أن احتمال فوز ترامب بالانتخابات يقترب من سبعة وتسعين بالمئة، وذلك في الوقت نفسه الذي كانت فيه وسائل إعلام أمريكية كبرى مثل “سي إن إن” و”نيويورك تايمز” لا تزال مترددة في حسم هوية الفائز في الولايات المتأرجحة.

وتخيل أن أنجح خبراء الاستطلاع في أمريكا كانوا يقولون إنهم لا يعرفون النتيجة، بينما كان هناك سوق مليء بأناس عاديين يقولون بثقة ومن قبل الانتخابات إن ترامب سيفوز، واتضح في النهاية أن توقعات هؤلاء الناس كانت صحيحة وأقرب للحقيقة، حيث فاز ترامب في النهاية بنسبة ثمانية وخمسين بالمئة من أصوات المجمع الانتخابي مقابل اثنين وأربعين بالمئة لهاريس.

إن نجاح أسواق التنبؤات في توقع نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتفوق على استطلاعات الرأي منحها دفعة قوية جداً على مستوى الانتشار والشعبية؛ ويمكن اعتبار انتخابات عام ألفين وأربعة وعشرين نقطة تحول بالنسبة لهذه المنصات لأنها جعلت الجميع، وخاصة وسائل الإعلام، يبدؤون بالتعامل معها بجدية أكبر والانتباه لآراء المستخدمين عليها. وقبل أن أشرح لك كيف حدث ذلك، دعني أولاً أوضح لك كيف تعمل هذه المنصات؛ فكرتها بسيطة جداً، إذ تدور الرهانات حول سؤال ستظهر إجابته في المستقبل، والإجابة عن هذا السؤال تكون دائماً ثنائية أو “باينري”، بمعنى أن الإجابة في النهاية إما أن تكون “نعم” وإما أن تكون “لا”. فإذا كنت مصدقاً أن الإجابة ستكون نعم تشتري “عقد نعم”، ولو كنت ترى أنها ستكون لا تشتري “عقد لا”. ولنضرب مثالاً لسؤال يمكن طرحه والمراهنة عليه في هذه المنصات: “هل تتوقع أن تمطر السماء يوم الجمعة المقبل في القاهرة؟” هذا السؤال له إجابتان لا ثالث لهما، فإما نعم أتوقع أن تمطر السماء في القاهرة يوم الجمعة وبالتالي أشتري عقد نعم وأراهن عليه بمالي، وإما أن أتوقع العكس فأشتري عقد لا وأراهن عليه بمالي، والأمر واضح حتى هنا.

والسؤال الآن: على أي أساس يتحدد سعر عقد “نعم” وسعر عقد “لا”؟ هنا يكمن الجزء العبقري في القصة بأكملها؛ فسعر العقد الواحد يقع في نطاق ما بين الصفر والدولار الواحد، وهذا السعر يعبر في الوقت نفسه عن توقعات المراهنين باحتمالية وقوع الحدث محل المراهنة. على سبيل المثال، لنفترض أن منصة مثل “بولي ماركت” تعرض السؤال التالي: “هل تتوقع أن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة في اجتماعه القادم؟” هذا مرة أخرى سؤال إجابته نعم أو لا؛ فإذا كانت نسبة سبعين بالمئة من العقود المباعة على هذا السؤال هي عقود “نعم”، فإن عقد نعم هذا سيتم تسعيره تلقائياً بسبعين سنتاً، وفي المقابل ستجد أن عقود “لا” مسعرة بثلاثين سنتاً. وانتبهوا جيداً لهذا الكلام لأنها نقطة خطيرة للغاية، فقد قلت إذا كانت سبعون بالمئة من “العقود المباعة” ولم أقل سبعون بالمئة من “المستخدمين” أو المراهنين، لأن تسعير العقود في هذه المنصات يعتمد على عدد العقود المباعة وليس على عدد الأشخاص الذين اشتروها. وهذا يعني أنه لو افترضنا وجود مليون عقد مباع على هذا السؤال (سبعمئة ألف عقد نعم وثلاثمئة ألف عقد لا)، فمن الوارد نظرياً أن يكون الشخص الذي اشترى السبعمئة ألف عقد نعم هو فرد واحد فقط، وعلى الجانب الآخر من الوارد نظرياً أيضاً أن يكون الثلاثمئة ألف عقد لا قد اشتراها ثلاثمئة ألف شخص مختلفين. والخلاصة هي أن تسعير هذه العقود يعكس في النهاية حجم إجمالي الأموال التي تم ضخها في كل عقد، ولا يعكس عدد المراهنين الفعليين على كل عقد، وأظن أن هذه النقطة أصبحت واضحة.

ننتقل الآن إلى سؤال آخر مهم: كيف يكسب المراهنون في هذه المواقع؟ تعمل هذه المنصات بمبدأ يُسمى “الفائز يأخذ كل شيء” أو (Winner-takes-all)، أي أنه بمجرد حدوث الحدث محل الرهان وظهور الإجابة القاطعة، تتحول قيمة العقد الفائز تلقائياً إلى دولار واحد كامل، وتصبح قيمة العقد الخاسر صفراً. ودعونا نعود إلى مثال الاحتياطي الفيدرالي لنفهم هذه الجزئية بشكل أفضل؛ لقد قلت لكم إن عقد “نعم” في مرحلة ما كان يُباع بسبعين سنتاً، وفي المقابل كان عقد “لا” يُباع بثلاثين سنتاً. وبعد شهر من شراء هذا العقد مثلاً، عُقد اجتماع الفيدرالي وخرجت لجنة السوق المفتوحة بقرارها في نهاية الاجتماع، وهنا نكون أمام احتمالين أو سيناريوهين؛ السيناريو الأول هو أن يقوم الفيدرالي برفع سعر الفائدة فعلياً، وبالتالي فإن أصحاب عقد “نعم” قد صدق توقعهم وفازوا، ولكن ماذا سيكسبون؟ إن عقد “نعم” الذي اشتريته بسبعين سنتاً ستتحول قيمته فوراً إلى دولار واحد، وبذلك يكون كل من يمتلك هذا العقد قد كسب ثلاثين سنتاً إضافية على أمواله. ومن أين تأتي هذه الثلاثون سنتاً في تفكيركم؟ إنها تأتي من أصحاب عقود “لا”، ففي هذا السيناريو تصبح قيمة كل عقد “لا” صفراً، وتتحول أموال أصحاب هذه العقود إلى أصحاب العقود المضادة الذين كان توقعهم صحيحاً.

وهنا توجد نقطة مهمة يجب أن ننتبه إليها، وهي أن أسواق أو منصات التنبؤات مثل “بولي ماركت” وغيرها هي في نهاية المطاف شكل من أشكال القمار، مع وجود فروق تقنية بسيطة تميزها عن القمار العادي الذي نعرفه. ومن أبرز هذه الفروق هي هوية الطرف الذي تراهن ضده؛ ففي الكازينوهات مثلاً، يكون الشخص الذي يلعب القمار مراهناً ضد الكازينو نفسه، أما في المنصات التي نتحدث عنها، فإنك تلعب أو تراهن ضد مستخدمين مثلك تماماً ولكنهم يمتلكون رأياً يعاكس رأيك؛ فعندما تشتري عقد “نعم”، يجب أن يكون هناك شخص على الطرف الآخر مقتنعاً بـ “لا” ويبيع لك، والمنصة في هذه الحالة تقوم بالتوفيق بينكما فقط، ولذلك تعبر أسعار العقود عن التوازن بين رأيين متضادين.

ونأتي الآن إلى السيناريو الثاني، وهو ألا يقوم الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، وعندها سيكون أصحاب عقود “نعم” الذين دفعوا فيها سبعين سنتاً قد خسروا كل شيء، حيث ستهبط قيمة هذه العقود من سبعين سنتاً إلى صفر. وفي المقابل، ستزيد قيمة عقود “لا” من ثلاثين سنتاً إلى دولار واحد كامل، مما يعني أن أصحاب هذه العقود سيكسبون السبعين سنتاً التي خسرها الطرف المقابل لهم. وهنا، إذا لاحظتم، يظهر المنطق الكامن وراء هذه اللعبة؛ فإنه عندما تشتري عقداً غالياً، فهذا يعني أن نسبة مخاطرتك منخفضة لأن العقد غالٍ بسبب أن الحدث محل الرهان شبه مضمون أو أن أغلب الأموال تراهن عليه، ولكن ربحك في الوقت نفسه يكون قليلاً. أما إذا اشتريت العقد الرخيص، فإنك تعرض نفسك لمخاطرة أكبر لأن سبب رخص العقد في الأساس هو أن احتمال حدوثه ليس كبيراً، ولكن العوائد المحتملة من وراء هذه المخاطرة تكون عالية جداً؛ وتخيل نفسك مثلاً تشتري عقداً بخمسة سنتات ثم يحدث الحدث الذي يراهن عليه هذا العقد فعلياً، عندها ستصبح قيمة كل عقد اشتريته بخمسة سنتات دولاراً واحداً كاملاً.

وأشهر منصتين في العالم تقدمان هذا النموذج حالياً هما منصة “كالشي” ومنصة “بولي ماركت”؛ ومنصة “كالشي” هي منصة أمريكية مرخصة من هيئة تداول العقود الآجلة للسلع الأمريكية، وتتعامل بالدولار العادي وتحرص على العمل ضمن الأطر القانونية للحكومة الأمريكية. أما “بولي ماركت” فهي منصة أمريكية أيضاً ولكن تتوفر منها نسختان، نسخة متاحة فقط داخل السوق الأمريكية وتتعامل بالدولار، ونسخة أخرى متاحة لبقية أسواق العالم وتتعامل بالعملات المشفرة، وتحديداً عملة مستقرة تُدعى “يو إس دي سي”.

وإن هاتين المنصتين شهدتا انفجاراً كبيراً في حجم الإقبال عليهما خلال آخر سنتين، وخاصة بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، والذي سمح بهذا الأمر هو تساهل الحكومة الأمريكية وتحديداً إدارة ترامب مع هذه المنصات وإفساح الطريق أمام توسعها وتواجدها بشكل قانوني في الولايات المتحدة والسماح لها بإتاحة المراهنة على كل شيء تقريباً، وذلك بعد أن كانت تواجه عقبات قانونية كبرى في السابق.

وفي سبتمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين، حكمت محكمة أمريكية لصالح منصة “كالشي” ضد هيئة تداول السلع الأمريكية (CFTC) في قضية كانت تطالب فيها المنصة بالسماح لها بإتاحة المراهنة على نتائج الانتخابات الأمريكية. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن تحارب منصتي “كالشي” و”بولي ماركت” وترفض تماماً فكرة السماح لهما بإتاحة رهانات على الانتخابات، ولذلك دخلت في معركة قضائية طويلة ضد “كالشي”، واستمر الوضع كذلك حتى جاءت إدارة ترامب في مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين وأمرت هيئة تداول السلع الأمريكية بسحب استئنافها ضد الحكم الذي سمح لمنصة “كالشي” بأن تتيح لمستخدميها الرهان على نتائج الانتخابات السياسية الأمريكية. وإن إتاحة الرهان على نتائج الانتخابات بشكل قانوني في الولايات المتحدة جعلت من هذه المنصات لاعباً رئيسياً في المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي؛ ففي السابق، كانت استطلاعات الرأي المباشرة هي الوسيلة شبه الوحيدة التي يمكن من خلالها معرفة آراء الناس تجاه قضايا معينة أو مرشحين محددين، ولكن خلال السنتين الأخيرتين اقتحمت منصات التنبؤات مثل “كالشي” و”بولي ماركت” وغيرها المشهد وأصبحت بالنسبة لكثير من الأفراد والمؤسسات دليلاً معتبراً على فرص المرشحين، ومما ساعد على ذلك هو أن نتائج انتخابات أمريكية كثيرة في السنتين الأخيرتين توافقت مع النتائج التي رجحتها رهانات المستخدمين في هذه المنصات. ومع ازدياد شعبية هذه المنصات بين الناس، بدأت وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة تأخذها بجدية أكبر وتعرض نتائجها باستمرار لجمهورها كمصدر أساسي للمعلومة؛ وفي هذا السياق، رأينا منصة “بولي ماركت” تعقد شراكات ضخمة مع ناشرين كبار مثل “وول ستريت جورنال” وشركتها الأم “داو جونز”، وفي الوقت نفسه رأينا منصة “كالشي” تعقد شراكة استراتيجية مع شبكة “سي إن إن” لعرض توقعاتها بشكل مباشر وحي على الشاشة أمام الجمهور، مما ساهم في زيادة شعبية هذه المنصات وجذب جمهور أكبر لها.

وأفاد استطلاع أجرته شركة “نورث ويسترن ميوتوال” ونُشرت نتائجه في أواخر مارس الماضي، بأن ما يقرب من ثلث الأمريكيين الذين شاركوا في الاستطلاع وتتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر وتسعة وعشرين عاماً، قالوا إنهم يضعون أموالهم أو يفكرون في وضعها داخل أسواق المراهنات الرياضية والتنبؤات. إن شعبية هذه المنصات في ازدياد مستمر كل يوم، خاصة وأنها تتيح للناس عدداً لا نهائي من خيارات الرهان أو المضاربة؛ فأنت حرفياً تستطيع عبر هذه المنصات المراهنة أو ممارسة القمار على أي شيء، سواء كان كبيراً أو صغيراً، مهماً أو تافهاً، مألوفاً أو غريباً، بدءاً من معرفة الفريق الذي سيفوز بالمباراة الفلانية ومتى سيُفتح مضيق هرمز، وصولاً إلى ما سيرتديه الفنان الفلاني وهل ستعلن الحكومة الأمريكية رسمياً عن وجود كائنات فضائية قبل نهاية السنة أم لا. وهذا الأمر يجعله من جهة جذاباً جداً وخاصة للشباب الصغار الباحثين عن الربح السريع، ومن جهة أخرى يجعله مصيدة لهم ومحرقة لأموالهم. وإن الإعلانات التي تروج لهذه المنصات، سواء تلك التي تعمل داخل الولايات المتحدة أو خارجها، تسوق لها دائماً من زاوية أن لعب القمار في هذه المنصات هو شكل حديث من أشكال الاستثمار الذي يمكنه توفير دخل إضافي يساعد الشباب في مواجهة ضغوط الحياة، ولكن في حقيقة الأمر هذا قمار وليس استثماراً، والأغلبية الكاسحة من المستخدمين في هذه المنصات يخسرون أموالهم. ووفقاً لدراسة نشرت نتائجها وكالة بلومبرغ في أواخر أبريل الماضي، فإن تسعة وستين بالمئة من مستخدمي منصة “بولي ماركت” خسروا أموالهم، وفي الوقت نفسه استحوذ واحد بالمئة فقط من المستخدمين على خمسة وسبعين بالمئة من إجمالي الأرباح. وفي السياق نفسه، كشفت دراسة لشرة “كيروك” أن خمسة عشر واثنين وعشرين من مئة مليار دولار من الأرباح في “بولي ماركت” -والتي تعادل أكثر من ثلثي إجمالي الأرباح التي حققها المستخدمون على المنصة- كانت من نصيب سبعمئة وأربعين حساباً فقط؛ وتخيل أن سبعمئة وأربعين حساباً يسيطرون بمفردهم على أكثر من ثلثي المكاسب التي حققها المستخدمون من خلال الرهان على المنصة، وهل تعلم كم يبلغ عدد الحسابات في “بولي ماركت”؟ إنه أكثر من مليوني حساب، وهذا يعني أن الجميع تقريباً يخسرون في هذه المنصات باستثناء قلة قليلة جداً جداً.

ومن هنا تستطيع أن تفهم التقرير الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في أوائل مايو الماضي تحت عنوان: “لماذا يخسر الجميع تقريباً أموالهم في أسواق التنبؤ باستثناء قلة من الحيتان؟”؛ ففي هذا التقرير كشفت الصحيفة أنها حللت أداء مليون وستمئة ألف حساب من إجمالي مليونين وثلاثمئة ألف حساب موجودين على منصة “بولي ماركت” يراهنون فيها منذ نوفمبر من عام ألفين واثنين وعشرين، وكانت النتيجة مذهلة بحسب الصحيفة الأمريكية، حيث اتضح أن سبعة وستين بالمئة من الأرباح التي يتم تحقيقها في “بولي ماركت” تذهب لواحد بالمئة فقط من الحسابات على المنصة. وفي فئة الواحد بالمئة هذه نجد مؤسسات ومستثمرين محترفين يمتلكون القدرة على إنفاق أموال طائلة تمكنهم من الوصول إلى كميات ضخمة من البيانات من مزودي خدمات خارجيين تساعدهم في تحقيق ميزة تنافسية على بقية المراهنين، كما يمكن أن نجد في هذه الفئة أيضاً الأطراف المطلعة على معلومات داخلية وسرية. على سبيل المثال، ضابط القوات الخاصة الأمريكي الذي روينا قصته في بداية الحلقة، كيف استطاع هذا الرجل تحويل رهانات بلغت قيمتها الإجمالية ثلاثة وثلاثين ألف دولار إلى مكسب تقترب قيمته من أربعمئة وعشرة آلاف دولار؟ ببساطة هو راهن على احتمال ضئيل جداً كان أغلبية المستخدمين يراهنون عكسه وضده، مستخدماً في ذلك معلومة داخلية سرية كان مطلعاً عليها، وفي النهاية خسر الأشخاص الذين لم يكونوا مطلعين ولا يمتلكون هذه المعلومة أموالهم لصالح حسابه.

إن منصات التنبؤات مثل “بولي ماركت” وغيرها تلعب على فكرة بسيطة جداً وهي عدم تماثل المعلومات بين طرفين يراهنان ضد بعضهما البعض؛ فالأمر في أغلب الأحيان ليس حظاً، بل هو وجود طرف يعرف معلومات أكثر من الطرف الآخر، ومن يعرف معلومات أكثر هو من يستطيع تحديد واختيار العقد الرابح، والأموال التي يكسبها هي ذاتها الأموال التي يخسرها صاحب “الأموال الغبية” (Dumb Money) وهو الطرف المقابل الذي لا يملك معلومة أو مصادر تساعده في اتخاذ رهان أكثر استنارة. وفي هذا السياق، يقول روبرت روزنبيرغ، الشريك في شركة المحاماة “موسى سينجر”، في تصريحات لصحيفة “فاينانشال تايمز” إن المستهلك العادي والمستثمر العادي الذي يراهن في هذه المنصات لا يدرك أنه مجرد بيدق أو أداة يستخدمها أشخاص آخرون للتأثير على نتيجة الرهانات. وهذا تقريباً نفس الكلام الذي قاله لاعب البوكر السابق وخبير الإحصاء مايكل بوس في تصريحات لصحيفة “وول ستريت جورنال”، حيث قال إن المتداولين العاديين الذين يراهنون في هذه المنصة ليس لديهم أي فرصة في تحقيق أرباح بشكل مستمر ومنهجي، وذلك لأن المنهجية التي تعمل بها هذه المنصات مصممة ضدهم كمتداولين عاديين. وهذه النقطة تنقلنا إلى سؤال هو: لو كنت واحداً من الناس الذين لديهم تجربة سابقة مع تطبيقات المراهنات بشكل عام، احكِ لنا عن تجربتك وكيف دخلت وكيف خرجت وماذا تعلمت من هذه التجربة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى