أخبار العراقمقالات

المدارس المؤقتة في كربلاء… صفوف سريعة الاشتعال وتعليم تحت سقف الخوف

تقرير:حيدر الجنابي

لا تزال المدارس والصفوف الكرفانية التي أُنشئت في محافظة كربلاء تمثل أزمة حقيقية للتلاميذ والطلبة، وتثير قلقا مستمرا لدى أولياء الأمور، لاسيما بعد مرور سنوات طويلة على إنشائها.
وقد شُيّدت هذه المدارس باستخدام مواد سريعة الاشتعال غير مطابقة لمعايير السلامة والدفاع المدني، لتوفر حلول سريعة ومؤقتة تعالج النقص الحاصل في الأبنية المدرسية، إلا انها تحولت اليوم إلى تحدٍ كبير، إذ لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من إنهاء هذا الملف رغم خطورته وارتباطه المباشر بحياة شريحة واسعة من التلاميذ والطلبة.
يقضي التلاميذ ساعات طويلة داخل صفوف مشيدة من ألواح “السندويج بنل (Sandwich Panel)، سريعة التأثر بالحرارة والنيران، دون أدنى مراعاة لشروط السلامة، ما يجعل من كل يوم دراسي مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ويفاقم مخاوف اولياء الامور وجود نسبة كبيرة من تلاميذ المرحلة الابتدائية في هذه المدارس، إذ لا يمتلك هؤلاء القدرة على تحمل ارتفاع درجات الحرارة، كما يفتقرون إلى الحد الأدنى من المعرفة بكيفية التعامل مع حالات الحرائق والطوارئ التي قد تقع داخل صفوف أُعدّت من صفائح حديدية محشوة بمواد سريعة الاشتعال.

حوادث متكررة ومخاوف متصاعدة
مع كل حريق يندلع في احدى المحافظات، تتعالى الأصوات المطالبة بإيجاد حل لهذه المحرقة البشرية المؤجلة في كربلاء، سواء في المدارس أو في الأبنية التابعة للدوائر الحكومية الأخرى.
وسرعان ما تُفعّل الجهات الحكومية جهودها بشكل مؤقت لاحتواء حالة الغضب الشعبي، ثم يُهمل الملف مجددا لحين اندلاع حريق جديد في بناية اخرى.
وهكذا بقيت موجة الانتقادات الموجهة إلى الجهات المسؤولة تظهر وتختفي تبعا لوقوع الحرائق وحجمها وعدد ضحاياها.
خلال إحدى ليالي عام 2024، كانت إحدى المدارس الابتدائية القريبة من جامعة كربلاء على موعد مع حريق اندلع في أحد صفوفها الكرفانية، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من إخماده دون تسجيل أي إصابات.
وجّهت الحكومة المحلية في كربلاء بتشديد الرقابة والالتزام بتوفير متطلبات السلامة والأمان عقب الفاجعة التي شهدتها محافظة واسط، والتي أودت بحياة (61) شخصا أثناء وجودهم في أحد مراكز التسوق، حيث التهمت النيران نساءً وأطفالا وأشخاصا لم يتمكنوا من الخروج في الوقت المناسب.

سجل مؤلم من الكوارث المرتبطة بمواد البناء سريعة الاشتعال

تزداد معدلات الحرائق في العراق خلال فصل الصيف، مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الضغط على التمديدات الكهربائية داخل المؤسسات، ما يؤدي إلى حدوث تماس كهربائي ينتهي احيانا بكارثة كبيرة.
خلال عام 2023، تحوّل أحد الأعراس في محافظة نينوى إلى فاجعة أليمة عندما التهمت النيران قاعة للأعراس شُيّدت بمواد سريعة الاشتعال، لتتحول الفرحة إلى مأساة وطنية هزّت مشاعر العراقيين بعد سقوط عشرات الضحايا.
وفي بغداد والناصرية، ارتفعت حصيلة ضحايا حريقين اندلعا في مستشفيين إلى (174) شخصا، فيما بقيت الجثث متفحمة وسط ركام المبنيين. وفي جميع تلك الحوادث، خلصت التحقيقات إلى وجود إهمال وضعف رقابي، فضلا عن استخدام مواد بناء سريعة الاحتراق.
وعلى إثر حريق الناصرية، قررت الجهات المعنية في محافظة كربلاء، خلال اجتماع موسع، وضع خطة مستقبلية للتخلص من المواد سريعة الاحتراق في المؤسسات الصحية. ورغم أن تلك الإجراءات استهدفت القطاع الصحي بشكل مباشر، إلا أنها شكلت اعترافا رسميا بخطورة هذا النوع من الأبنية.

توجيهات رسمية بلا نتائج ملموسة
بعد تصاعد المطالبات بضرورة وضع حلول عاجلة للأبنية المؤقتة في مناسبات عديدة، وجهت وزارة التربية في تموز 2025، مديرياتها في جميع المحافظات بإزالة مواد “السندويج بنل” و”الأليكابوند” و”الجينكو”، وجميع مواد البناء سريعة الاشتعال من الأبنية المدرسية بشكل فوري.
إلا أن هذه التوجيهات بدت وكأنها للاستهلاك الإعلامي فقط، إذ أنهى بعض طلبة محافظة كربلاء عامهم الدراسي هذا داخل (32) مدرسة كرفانية غير آمنة موزعة بين مركز المدينة وعدد من الأقضية والنواحي، فيما لاتزال بعض مرافق المديرية العامة للتربية في المحافظة مشيدة من ملاحق كرفانية، يمكن أن عدَّها كوارث كامنة تنتظر غفلة بسيطة اوشرارة صغيرة.
وانتقد النائب عن كتلة إشراقة كانون، زهير الفتلاوي، ما وصفه بغياب الرؤية الواضحة في ترتيب أولويات المشاريع الملحّة بمحافظة كربلاء. كاشفاً خلال حديثٍ لإحدى القنوات الفضائية المحلية، عن نقل مديرة مدرسة كرفانية للبنات بعد زيارة ميدانية أجراها إلى المدرسة وسماحها له بالدخول.

تعليم تحت سقف الخوف
ورغم إعلان الحكومة المحلية مرات عدة عن استحداث أبنية مدرسية، ضمن خطط لتطوير البنى التحتية في قطاع التربية، إلا أن التعليم تحت سقف الخوف لا يزال واقعا قائما في كثير من مدارس المدينة.
وفي ظل استمرار الاعتماد على الصفوف الكرفانية، تتنامى مخاوف أولياء الأمور والطلبة من تحول هذه المدارس إلى علب كبريت وموت مؤجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى