طريق التنمية.. مشروع طموح أم حلم ولد ميتًا
تحتد النقاشات في العراق حول “طريق التنمية” الاستراتيجي الرامي لربط آسيا بأوروبا وصولاً لأفريقيا، وسط آمال وطنية ببعث هذا المشروع الحلم ومخاوف من بقائه حبراً على ورق. وتواجه الطموحات العراقية تحديات معقدة ومنافسة شرسة من مشاريع ربط إقليمية ودولية تقودها دول كالهند، السعودية، تركيا، وإيران، بالإضافة إلى معوقات داخلية وخلافات فنية وقانونية مع إقليم كردستان، وسط دعوات ملحة لحكومة علي الزيدي لاستثمار الاستقرار السياسي وتدشين عمل مؤسسي يحول الوعود إلى واقع ملموس قبل فوات الأوان.
ويقول الخبير الاقتصادي عامر الجواهري، إن “مشروع طريق التنمية يمثل مشروع دولة كبيراً وطموحاً قديماً، ولا يقتصر على كونه مشروع ربط سككي أو طرق برية فقط، بل يعد مشروعاً تنموياً شاملاً يستهدف تطوير وتنمية المحافظات والمناطق التي يمر بها الطريق، إلى جانب باقي أنحاء العراق”.
ويؤكد، أن “المشروع لا ينظر إليه من زاوية محلية فحسب، وإنما يحمل أبعاداً إقليمية ودولية واسعة، لا سيما في ما يتعلق بربط آسيا بأوروبا، مع وجود طموحات مستقبلية قد تمتد إلى القارة الأفريقية”، معتقداً أن “نجاحه يتطلب نية حقيقية وصادقة وقدرات مهنية وفنية وتفاوضية ودبلوماسية وتمويلية وتعاقدية قادرة على وضع اللبنات الأولى للمشروع وإدارته بالشكل الصحيح”.
ويضيف الجواهري، أن “إعلان حكومة محمد شياع السوداني عن المشروع خلق حالة من التفاؤل، إلا أن ما جرى لاحقاً كشف عن وجود أحلام وردية لم تتحول إلى خطوات عملية”، مبيناً أن “اللجان التي شكلت والاجتماعات التي عقدت لم تنتج مقررات جوهرية بالمعنى الحقيقي للكلمة، الأمر الذي جعل المشروع يبدو وكأنه مجرد شعار، ما أسهم في إضعاف الحلم منذ مراحله الأولى”.
وينبه إلى أن “طريق التنمية يواجه منافسة من مشاريع إقليمية ودولية أخرى”، لافتاً إلى أن “قمة مجموعة العشرين التي عقدت في نيودلهي عام 2023 شهدت الإعلان عن مشروع يربط الهند والإمارات والسعودية عبر الأردن باتجاه البحر المتوسط”، مبيناً أن “هذه الفكرة أعيد إحياؤها لاحقاً عبر مشاريع للربط السككي بين قطر والإمارات والسعودية وصولاً إلى الأردن وسوريا ثم تركيا، وأن بعض مراحل هذه المشاريع دخلت بالفعل حيز التنفيذ”.
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن “حكومة إقليم كردستان أعلنت قبل أكثر من عامين نيتها إنشاء ربط سككي مع إيران يتيح مرور خطوط السكك باتجاه تركيا”، مشيراً إلى أن “العراق يبقى دولة واحدة، وأن هذه الملفات يجب أن تدار ضمن رؤية وطنية شاملة تراعي المصالح المشتركة”.
ويضيف، أن “أغلب المحافظات التي يمر بها مشروع طريق التنمية أعلنت تأييدها للمشروع، في حين برزت مواقف مختلفة في إقليم كردستان خلال مراحل سابقة”، مبيناً أن “معالجة هذه الملفات تبقى أمراً ممكناً من خلال إنشاء مؤسسة أو هيئة خاصة بطريق التنمية تضم جميع الأطراف المعنية”.
ويدعو الجواهري حكومة علي الزيدي إلى “استثمار الأجواء السياسية الحالية، خصوصاً بعد المؤشرات المتعلقة بتقارب القوى السياسية الكردية وتأكيدها أهمية المسارات الاقتصادية والتعاون المشترك، من أجل معالجة الملفات العالقة والمضي بالمشروع نحو التنفيذ”.
ويؤكد، أن “الربط بين طريق التنمية وباقي المحافظات العراقية يمثل خطوة ضرورية ونافعة اقتصادياً”، موضحاً أن “أهمية المشروع لا تتعلق بحركة التجارة فقط، بل تشمل أيضاً تنشيط حركة السياحة الداخلية والخارجية، وتعزيز الترابط الاقتصادي والخدمي بين مختلف المناطق”.
ويعتقد الخبير الاقتصادي “بوجود أطراف لا ترغب في رؤية المشروع يتحقق، سواء من داخل العراق أو خارجه”، معتبراً أن “بعض الجهات تدفع باتجاه إبقاء المشروع ضمن إطار التصريحات والخطابات دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي”.
ويشدد على أن “الإجراءات التنفيذية تبدأ بوجود عمل مؤسسي متين وقدرات بشرية رصينة ومخلصة”، محذراً من أن “المشروع سيبقى معطلاً إذا لم تتوافر هذه المتطلبات، في وقت تواصل فيه دول الجوار تطوير مشاريعها الاستراتيجية”.
وينوه الجواهري إلى أن “إيران تتحرك بدورها لإنشاء شبكة سكك حديدية متكاملة تربط جنوبها بالشمال الشرقي باتجاه الصين عبر تركمانستان، وبالشمال الغربي عبر أذربيجان وتركيا نحو أوروبا، متوقعاً تسارع هذه المشاريع خلال المرحلة المقبلة”.
ويختتم حديثه بالدعوة إلى أن “يتحول مشروع طريق التنمية إلى مشروع وطني جامع تعمل من أجله جميع القوى والجهات العراقية”، مؤكداً أن “نجاحه يتطلب موقفاً عراقياً موحداً وإرادة تنفيذية حقيقية تضمن تحويله من فكرة مطروحة إلى مشروع استراتيجي قائم على أرض الواقع”.
وأعلنت السعودية وتركيا، الأسبوع الماضي، إطلاق مشروع سكك حديدية استراتيجية تنطلق من الرياض لتصل إلى إسطنبول ومنها إلى قلب أوروبا.
تعديلات طريق التنمية
من جهته، يقول ريبين سلام عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، إن “مشروع طريق التنمية يعد مشروعاً استراتيجياً ينبغي ألا يتأثر بتغير الحكومات أو تبدل الآراء السياسية”، مشيراً إلى أن “مسارات المشروع شهدت تعديلات متعددة حتى خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني”.
ويضيف، أن “هناك توجهات سابقة كانت تسعى إلى تقليل الفوائد التي يمكن أن يجنيها إقليم كردستان وسكانه من المشروع”، مبيناً أن “بعض الخرائط المقترحة كانت تتعمد الابتعاد عن المناطق السكنية والتجمعات البشرية والمرور عبر مناطق صحراوية، الأمر الذي كان سيؤدي إلى زيادة الكلف المالية وتوسيع مسار المشروع من دون تحقيق منافع اقتصادية حقيقية”.
ويتابع سلام، أن “بعض الطروحات كانت تهدف إلى حصر المشروع بربط تركيا بالعراق فقط، مع تقليص أهمية معبر إبراهيم الخليل ودوره الاقتصادي”، مؤكداً أن “مثل هذه المشاريع يجب أن تدار بعقلية اقتصادية بحتة، وأن المعيار الأساس يجب أن يكون حجم المنفعة المتحققة للشعب العراقي”.
ويشير إلى أن “هذه الملاحظات طرحت خلال زيارة سابقة لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وأن تلك التحركات أسهمت في إجراء تعديلات على الخرائط المقترحة للمشروع خلال فترة حكومة السوداني”.
مشروع نظري فقط
وينظر سلام إلى المشروع أنه “ولد ميتاً”، معتبراً أن “تركيا ليست متحمسة له بالشكل الكافي، لأن المصالح التجارية وطرق النقل بالنسبة لها لا تختلف كثيراً سواء جاءت عبر الممرات المرتبطة بالهند والدول العربية أو عبر مشروع طريق التنمية”.
ويوضح، أن “المنطقة تضم عدة ممرات استراتيجية مهمة، من بينها ما يعرف بطريق الهند ـ أوروبا، الذي يربط حركة البضائع القادمة من الشرق عبر الموانئ والطرق البحرية وصولاً إلى أوروبا وأفريقيا”، مبيناً أن “هذه المسارات تمثل منافساً مباشراً للمشروع العراقي”.
ويستدرك، أن “مشروع طريق التنمية يختصر مدة النقل إلى نحو 13 يوماً عبر الممر البري نحو تركيا، إلا أن “المشروع لا يستند إلى جدوى اقتصادية كافية، خاصة أنه أقرب إلى التصورات النظرية منه إلى المشاريع القابلة للتنفيذ الفعلي”.
ويعتقد، أن “المشروع يمثل أحد المشاريع التي قد تتحول إلى مصدر للهدر المالي، لذا نعتقد أن إيقاف النزيف المالي والفساد المرتبط به سيكون أفضل للعراق من الاستمرار فيه بهذه الصيغة”.
ويختتم سلام بالقول، إن “المشروع لن يحقق الأهداف المعلنة منه، وأن السنوات المقبلة ستكشف حجم الأموال التي أنفقت عليه من دون الوصول إلى النتائج المتوقعة”.
إيرادات سككية صفر
وفي سياق متصل، أعلن مرصد “إيكو عراق”، أمس الأحد، في بيان أن الإيرادات المالية لقطاع السكك الحديد في العراق لا تمثل مورداً مجدياً للدولة، مشيراً إلى وجود معوقات قانونية تعرقل إيصال شبكة القطارات إلى محافظات إقليم كردستان، في وقت يتجدد فيه الجدل بشأن مستقبل مشاريع الربط السككي الداخلية والإقليمية.
وبحسب البيان، فإن شبكة السكك الحديد في العراق تعمل حالياً عبر خطين رئيسيين للنقل الليلي يربطان بغداد بالبصرة ذهاباً وإياباً مروراً بعدد من المحافظات، فيما تبلغ سعة الرحلة الواحدة نحو 360 مقعداً تشمل مقاعد سياحية وأخرى مخصصة للنوم.
وأوضح المرصد أن تشغيل هذه الخطوط يأتي بطابع خدمي يهدف إلى تغطية النفقات التشغيلية فقط، من دون أن يحقق إيرادات مباشرة للدولة، لافتاً إلى أن الإيرادات الحقيقية للقطاع تتحقق من خلال نقل البضائع مثل النفط ومشتقاته والحبوب والسلع التجارية.
وفي استعراضه لواقع النقل السككي داخل البلاد، أشار المرصد إلى وجود خطوط أخرى ما تزال تعمل بصورة غير منتظمة، من بينها خط بغداد – كربلاء الذي يستخدم موسمياً خلال الزيارات الدينية، فضلاً عن خطي بغداد – الرمادي وبغداد – سامراء اللذين لا يعملان بشكل يومي.
كما أوضح أن خط بغداد – الموصل ما يزال متوقفاً بسبب الأوضاع الأمنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، إلى جانب خطوط أخرى مثل بغداد – كركوك التي لم تعد إلى الخدمة بصورة كاملة.
التأهيل والتوسيع
ودعا مرصد “إيكو عراق” الحكومة إلى تطوير قطاع السكك الحديد وتوسيع شبكة الربط بين المحافظات العراقية ودول الجوار، مؤكداً أن إعادة تأهيل الخطوط غير الفعالة يمكن أن تسهم في تعزيز النقل الوطني وتنويع مصادر الإيرادات غير النفطية.
وأكد المرصد، أن تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية يمثل أحد المسارات القادرة على دعم الاقتصاد الوطني، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي والممرات التجارية العابرة للحدود.
أما في ما يتعلق بإمكانية ربط بغداد بمحافظات إقليم كردستان، ولا سيما أربيل والسليمانية، فقد أوضح المرصد أن هناك عائقاً قانونياً يتعلق بملكية مسارات السكك الحديد.
وبين، أن القوانين النافذة تشترط أن تكون الأراضي التي تمر بها خطوط السكك الحديد تحت إدارة الشركة العامة للسكك الحديد حصراً، وهو ما يواجه اعتراضاً من حكومة إقليم كردستان، الأمر الذي ما زال يشكل عقبة أمام تنفيذ أي مشروع ربط سككي مباشر بين الجانبين.



