كبطل فاتح…يطل المسؤول عبر شاشات هواتفنا الزرقاء وحساباته الوهمية الممولة من قوت الشعب، محاطا ببعض من أبناء جلدته ممن انهكتهم الحياة واوصلهم العوز والفاقة إلى طرق باب المسؤول ليستثمر في حاجتهم، ملمعا صورته التي هزها بصيص الوعي بين الجمهور.
يبتسم المسؤول ملء الاشداق فاردا كتفاه وهو ينصت لأهازيج ومدائح العوام بحقه وقد غابت أو غُيبت عن وعيهم وظائف المسؤول وواجباته الحقيقية واختلط عليهم الفضل بالواجب.
يختصر المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي هذا الخلل في العلاقة بين السلطة والمواطن بالقول: إن “الاستبداد يُفسد الأخلاق، فيحوِّل الناس إلى متملقين، يمدحون الظالم إذا أنصفهم في بعض ما سلبهم”.
لكن المشكلة ليست بالمواطن البسيط الذي وجد نفسه بعد معاناة طويلة مضطرا لإلقاء القصائد والاهازيج والمديح بوصفها حيلة أخيرة لانتزاع حقه من السلطة، بل في دناءة نفر من المسؤولين الذين جعلوا المواطن “كقرد السيرك”، يعطوه فيؤدي بعض الحركات البهلوانية، في مشهد انتُزع من سياق الحاجة والعوز حيث تتحول الحقوق إلى منّة، ويغدو شكر المسؤول طقسا إجباريا لا تعبيرا عن قناعة.
“الهوسة” أو الاهزوجة التي نشأت في البيئة العشائرية والريفية العراقية تؤدي وظيفة تحفيزية وتعبوية، تعزّز الانتماء، وترفع المعنويات، وتستنهض الهمم وتُجسّد القيم الجمعية مثل الشجاعة، الكرامة. وقد حملت بعداً احتجاجياً مقاوماً للظلم والاحتلال، ولم تُطوع كما اليوم لتمجيد الفاسدين.
اذ انه مديح الضرورة لا مديح القناعة، مديح نابع من خلل عميق في مفهوم المواطنة وليس الرضا عن اداء المسؤول أو الثقة فيه، فالمسؤول الناجح لا يستثمر في هذه الممارسات الناشزة التي تكرس ثقافة الإذلال، لأن السلطة الرشيدة تُقاس بكفاءة مؤسساتها وعدالة إجراءاتها، لا بعدد الأهازيج الاضطرارية التي تُقال بحقها أمام عدسات الكاميرات.
وعلى اي حال نرجو ألا يوصلنا جهلنا بحقوقنا وفساد السلطة إلى الانحناء اليومي امام صور المسؤول الموزعة على أطراف الطرقات أو حتى أن يهتف اطفالنا باسمه في مدارسهم كزعيم اوحد منقذ لا نضير له.



