أوجه التشابه بين دعوة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) وثورة الإمام الحسين (عليه السلام)

رغم وجود فارقٍ زمني وظروف تاريخية وسياسية مختلفة، إلا إنّ المتأمل في سيرة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) ومنهج الإمام الحسين (عليه السلام)، يجد خيطاً ناظماً من القيم والمبادئ التي تربط بينهما رباطاً وثيقاً.
لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مجرد حدث منفصل، بل هي امتداد طبيعي وتجسيد عملي لروح الإسلام الذي جاء به جده (صلى الله عليه وآله)، ويمكن إبراز أوجه التشابه بينهما
في عدة محاور جوهرية منها التشابه في الهدف الأسمى وهو إعلاء كلمة الحق وإصلاح الأمّة، فدعوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) جاءت في ظل جاهلية مطبقة، انتشر فيها الشرك والظلم وانعدام المساواة في المجتمع، وكان هدف النبي (صلى الله عليه وآله) الأساسي هو هدم أركان الجاهلية وإقامة دولة التوحيد والعدل، ونقل الناس من عبادة
الأوثان إلى عبادة الله وحده سبحانه وتعالى، ومن جور المتحكمين بهذا المجتمع إلىعدل الإسلام.
في جانب آخر قامت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في زمن كان فيه الحكم الأموي منحرفًا عن جوهر الإسلام، حيث تحولت خلافتهم إلى ملكية خاصّة، وبدأت تظهر مظاهر الظلم والاستبداد ومحو معالم الدّين، لم يهدف الإمام الحسين (عليه السلام) إلى طلب السلطة أو الثأر الشخصي، بل كانت نهضته لإصلاح أمة جده، قال عليه السلام: “إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، وهنا نجد أن كلا المنهجين سَعَيا إلى تصحيح المسار وإعادة الأمّة إلى جادّة الصواب.
كذلك نجد أن هناك تشابه في المبدأ وهو التضحية والفداء في سبيل المبادئ ففي دعوة النبي (محمد صلى الله عليه وآله) تحمل النبي وأصحابه أشد أنواع العذاب والاضطهاد في مكة، من حصار اقتصادي واجتماعي، وتعذيب نفسي وحتى محاولات الاغتيال، فيما قدم الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه نموذجاً أعلى للتضحية، فقد قدموا أرواحهم وهم يعلمون مصيرهم في كربلاء، لكنهم رفضوا أن يعيشوا في الذلة أو أن يسكتوا على ظلم فاختاروا السلة، كانت تضحيتهم للحفاظ على الإسلام الأصيل من التحريف والانحراف، فالتضحية كانت السلاح الأخير لكل منهما.
كانت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله نقيضاً لكل أشكال الظلم، فهي ناصرت المظلومين والضعفاء والعبيد، ودعت إلى المساواة بين البشر بغض النظر عن العرق أو اللون أو النسب، ووقفت في وجه طغاة قريش المستكبرين الذين استعبدوا الناس، فيما كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام ثورةً ضد الظلم بامتياز، إذ رفض الإمام عليه السلام مبايعة يزيد بن معاوية لأنه مثل طغياناً واضحاً وانحرافاً عن شرع الله سبحانه وتعالى، ووقف عليه السلام ليقول
كلمته المدوّية: “هيهات منّا الذلة”، مجسداً بذلك روح الإسلام التي ترفض الخنوع للطغاة، ليكون امتداداً لموقف جده الرافض للظلم والاستكبار.
تميزت الدعوة النبوية بالصبر الجميل والثبات على المبدأ رغم كل التحديات، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يهادن في عقيدته قط، وظل ثابتاً كالجبل في وجه العواصف، موقناً بنصر الله حتى في أحلك اللحظات، كما ظل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه
ثابتين في ساحة المعركة، يرفضون الاستسلام أو التفاوض على حساب مبادئهم، وكانت خطبه وأقواله في كربلاء تظهر ثباتاً إيمانياً نادراً، مشابهاً لثبات الأنبياء.
إن الخلود والتأثير التاريخي هو نتيجة حتمية لهذا النهج القائم على الثبات في الموقف، فقد غيرت الدعوة الإسلامية وجه التاريخ الإنساني، وأقامت حضارةً استمرت لقرون، وانتصرت فيها الفكرة رغم كل المحن، مثلما لم تمت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء، بل ولدت من رحم تلك الفاجعة التي
ارتكبها الجيش الأموي رسالة خالدة هزت ضمير الأمة عبر التاريخ، وأيقظت الوعي، وأصبحت شعلةً للحرية والثورة ضد الظلم في كل زمان ومكان، انتصرت رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاده، كما انتصرت دعوة جده صلى الله عليه وآله بعد هجرته وصبره.
كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام تجسيداً حياً وتطبيقاً عميقًا لقيم النبي محمد صلى الله عليه وآله، فقد استلهم سيد الشهداء من سيرة جده (صلى الله عليه وآله) معاني الصبر، والثبات، والتضحية، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق، لذلك لا تزال كربلاء تذكر الأمة بالثمن الباهظ الذي دفعه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عبر سبطه الشهيد وأهل بيته وأصحابه للحفاظ على الإسلام، وتظل منارةً تستمد منها كل حركات الإصلاح والتغيير شرعيتها الروحية وقوتها المعنوية، كونها حلقة في سلسلة النضال من أجل تحقيق العدل ومقاومة الظلم.


